العمل بالسياسة الشرعية بين مكر الأعداء وعجز العلماء وجهل الأبناء

اذهب الى الأسفل

العمل بالسياسة الشرعية بين مكر الأعداء وعجز العلماء وجهل الأبناء

مُساهمة  Admin في الخميس فبراير 14, 2008 8:17 am

سبق في الحلقة الماضية أن ما يذكر من خلاف في جملة العمل بالسياسة الشرعية ، غير مسلَّم به قادحاً في الاتفاق على العمل بها ؛ إذ المتأملُ يتضح له أن ما يُحكى من خلاف في العمل بالسياسة الشرعية ، غايته أن يكون خلافاً في بعض مصادر السياسة الشرعية ، لا في العمل بالسياسة الشرعية ، وأنَّ لذلك أسبابا ، منها : حصر مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة ، في مفهومٍ ضيق ؛ والخلط بين اختلاف الفقهاء في اعتبار بعض مستندات السياسة الشرعية وبين العمل بالسِّيَاسة الشَّرعيَّة من جهة ، و بين رفض العلماء لتصرفات بعض الولاة التي يسمونها ( سِيَاسة ) أو ربما ينسبونها إلى السِّيَاسة الشَّرعيَّة ، وبين اعتبار العلماء للعمل بالسياسة الشرعية من جهة أخرى ؛ والخلل في إدراك الفرق بين سوء تطبيق السِّيَاسة الشَّرعيَّة من بعض الولاة والحكَّام ، واعتراض العلماء على ذلك ؛ وبين اعتبار العلماء للعمل بالسِّيَاسة الشَّرعيَّة .


و من الفئة الثانية في عصرنا من هم أشرّ مأخذاً وأخطر أثراً ، إذ قادها في عصرنا أعداء الملّة ، ووسع دائرتها وأبرز شبهها بعض من انخدع بالأفكار الوافدة من تلاميذ المستشرقين ، وهي في كثير من شبهها مستقاة من مياه الفكر الفلسفي الغربي الآسنة .

ومما ينبغي العلم به هنا أنَّ سوء النظر وسوء التطبيق هذا عائد إلى تفريط طائفة ، وإفراط أُخرى :
فالأولى : طائفة سدٌّت على نفسها وعلى الناس ، من طرق السياسية الشرعية ما تستقيم به أمورهم ؛ ظنَّاً منهم منافاتها لقواعد الشرع ؛ " والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصيرٍ في معرفة حقيقة الشريعة ، والتطبيق بين الواقع وبينها " (1) .
ولا زال منهم أقوام في هذا العصر ممن ينتمون إلى أهل الإسلام ، لكنهم لم يأخذوا الكتاب بقوّة ، ولم يتعلموا الشرع بوعي ، وبلغ الأمر ببعضهم أن صار جاهلاً مركباً ، يبحث عن تأويلات فاسدة للوازم نظره الفاسد من سوء الظنّ بالمشرِّع ، والتشكيك في لزوم حمل الكافّة على النظر الشرعي في جميع شؤونهم .
والثانية : سوَّغت باسم السياسة ما يناقض حكم الله ورسوله ، من السياسات والقوانين ؛ لمَّا رأت أن النَّاس لا يستقيم أمرهم إلا بشيءٍ زائدٍ على ما فهمه أولئك المفرِّطون ، من الشريعة ؛ " فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة ، وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويل ، وفسادٌ عريض … وكلا الطائفتين أُتيت من قِبَل تقصيرها في معرفة ما بعثَ الله به رسولَه …" (2) .



وهذه الفئة هي في عصرنا أشرّ مأخذاً وأخطر أثراً ، إذ قادها في عصرنا أعداء الملّة ، ووسع دائرتها وأبرز شبهها بعض من انخدع بالأفكار الوافدة من تلاميذ المستشرقين ، وهي في كثير من شبهها مستقاة من مياه الفكر الفلسفي الغربي الآسنة .
وثمة فئة معاصرة تجاوزت حدّ الإيمان والتسليم بشرع الله ، ووصل بها الحال إلى المطالبة بالأحكام الوضعية التي تناقض مسلمات الشرع الحكيم ، وتتعدى على ثوابت الدين الحنيف ، فيما يشبه موجة الزنادقة التي ظهرت في مراحل ضعف الدول الإسلامية السالفة ؛ وكان فيهم من يصرح بردته ويتباهى بأيديلوجية كافرة ، وربما ألبست بلبوس مصطلحات معاصرة حكم بكفر أفكارها علماء الإسلام ، كالعلمانية الرافضة لسياسة الدنيا بالدين والليبرالية الملحدة المطالبة بتجاوز أحكام كل دين ؛ وهؤلاء لم يدعوا مجالا لمناقشة فكرهم في دائرة الإسلام ، ولذلك يناقش فكرهم ويفند كما يناقش فكر أهل الكفر والزندقة سواء بسواء .


ومما كُتب حديثا في رد هذه الفرية ، سلسلة من المقالات لم تكتمل بعد ، بعنوان : " تحكيم الشريعة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي " ، لأخينا الدكتور علي الصلابي وفقه الله

ولكنَّا وجدنا من بني جلدتنا من علقت بفكره بعض شبههم ، وظهر تأثره ببعض طرحهم ولو على سبيل المطالبة بتفنيد الشبهة لا تبنيها ، فقرأنا لمن يشكك في إمكان تطبيق الشريعة بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة ، زاعمين أن الشرع لم يطبق بعد ذلك ! وسمعنا من يلوك ذات الجهالة .
ومن هنا فإنَّ من المناسب التعريج على شيء مما يكشف حقيقة هذه الشبهة أو الجهالة التي يحسن وصفها بالفرية ، إذ يكذبها واقع القضاء على مرّ العصور الإسلامية ، ويردّها التاريخ بأخباره ووقائعه وأحداثه وطبقات الرجال من قضاته ، ويقطع دابرها التفاتة عابرة إلى ضخامة التراث الفقهي الإسلامي الذي دون كثيرا منه قضاةُ الإسلام ، حتى كان وصف القاضي من أظهر أوصاف الفقهاء فيما مرّ من الأزمان ؛ بل وجدنا في تاريخ الفقه نقلة في خدمة القضاة ، تتمثل في تدوينٍ فقهيٍ على نمط التنظيم والتقنين الحديث تقريبا للأحكام من غير إلزام فيما لا يشرع الإلزام به ، وتميز بذلك أشهر مذهبين حكَم أتباعهما الدول الإسلامية السالفة ، وهما المذهب الحنفي في المشرق والمالكي في المغرب ، فلن يعسر على باحث منصف أن يرجع إلى كتبٍ من هذا النوع لبعض قضاة الحنفية من مثل : خزانة الفقه ، لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي (ت/373) ؛ وهو الكتاب الذي تبعه في ذات النهج مهذبا ومطوِّراً القاضي أبو الحسين علي بن الحسين السّغدي (ت/461) في كتابه المنظّم : النتف في الفتاوى ، وكان يذكر الآراء إن تعددت دون ترجيح ليُرَجِّح المتفقه والقاضي منها ما يراه راجحا ؛ ولن يعسر على الباحث أيضا أن يطلع على ما جاء عند المالكية شبيها بذلك من مثل : أصول الفتيا في الفقه ، لمحمد بن حارث الخشني (ت/361) . وأما كتب القضاء وسياساته وتراتيبه في ظلال الدول الإسلامية فأمر لا يخفى على عوام باعة الكتب .



أما الحديث المصنفة في القضاء ونوازله فأمر من الظهور بمكان ، حتى إنه لحري أن يعاب جهله على من يدعي ثقافة ، بله طالب فقه . بل إنَّ استشعار حقيقة الجهل حمل د. خالد محمد خالد وهو من أشهر من أثار هذه الفرية إن لم يكن أشهرهم إلى التراجع عنها وعن علمانية الحكم ، وكشف ستر الفكر المنحرف الذي دفعه إلى القول بها ، وأصدر بكل شجاعة كتاباً سماه " الدولة في الإسلام " أعلن فيه أنَّ الإسلام دين ودولة بلا مراء (3) .

وما أعسر الحديث في إثبات الواضحات ، ولمن قلّ اطلاعه على علوم أهل الإسلام وأراد تثقيف نفسه في هذا المجال حتى لا يمرِّر عليه الجائرون ظلمهم للتاريخ ، ومكابرتهم للواقع – أُرشد الباحث عن الحقيقة إلى الاطلاع على الكتب المتخصصة في نظام القضاء الإسلامي ومدارسه ومؤلفاته ، ما بين مؤصّل مطوّل مثل : القضاء ونظامه في الكتاب والسنة ، للدكتور عبد الرحمن الحميضي ، وهو رسالة دكتوراه محكّمة ، ووجيز كاشف للحقيقة بلغة الواقع ، مثل : دراسة في تاريخ القضاء الشرعي في الإسلام وتطوراته منذ عهد النبوة إلى عصرنا الحاضر ، للدكتور إبراهيم الربابعة ، وإن شاء نوعا آخر من التأليف الكاشف لجهل المنكرين الموضِح لمكانة قضاة المسلمين ، فليطع على كتاب من مثل : أثر القضاء في الدعوة إلى الله تعالى دراسة تأصيلية وتطبيقية في العصر العباسي .


وثمة فئة معاصرة تجاوزت حدّ الإيمان والتسليم بشرع الله ، ووصل بها الحال إلى المطالبة بالأحكام الوضعية التي تناقض مسلمات الشرع الحكيم ، وتتعدى على ثوابت الدين الحنيف ، فيما يشبه موجة الزنادقة التي ظهرت في مراحل ضعف الدول الإسلامية السالفة ؛ وكان فيهم من يصرح بردته ويتباهى بأيديلوجية حكم بكفر أفكارها علماء الإسلام ، كالعلمانية الرافضة لسياسة الدنيا بالدين والليبرالية الملحدة المطالبة بتجاوز أحكام كل دين


ولست هنا أرمي إلى قصد تفنيد تلك المقولة التي لم يع أصحابها معنى استشهاد الفقهاء بسنن الخلفاء الراشدين دون غيرهم من الخلفاء ، امتثالا لوصية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنتهم ، دون غيرهم من خلفاء الإسلام – وإنما القصد الإشارة إلى هذا الانحراف المبني على هذه الفرية الواهية ، وإلا قد فنّدها علماء الإسلام ومفكروه المعاصرون ، وبيّنوا سذاجتها وفكَّكوا فكرتها . ومنهم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في الباب السادس من كتابه القيم : " الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه " ؛ والدكتور المستشار طارق البشري في كتابه المفيد : " الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي " ؛ ومما كُتب حديثا في رد هذه الفرية ، سلسلة من المقالات لم تكتمل بعد ، بعنوان : " تحكيم الشريعة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي " ، لأخينا الدكتور علي الصلابي وفقه الله (4) .

وعوداً على بدأ ؛ فإنَّ مِمَّا يؤيد ما سبق من أسباب توهم الخلاف في إعمال السياسة : أنَّ العلم بطرق استنباط السياسة الشرعية الرئيسة ؛ كالعلم بفقه القواعد الكلية ، والمقاصد المرعيّة ، والمنفيّة ، وإلحاق فروع كلٍّ منها بها - من العلوم التي تُعدّ مزية للفقيه المتبحِّر - لا ينهض بها كلُّ أحد ؛ لما قد يظهر من معارضة جزئياتها للأدلة ؛ وحيث قد اشتهر فقه بعض الأئمة بتعليل فروع تلك الكليات بها أكثر من غيرها ، كمذهب الإمام مالك ؛ فقد كان ذلك منهم محلَّ ثناء وتبجيل ؛ فهذا الحافظ الذهبي يُثني على فقه الإمام مالك ، بقوله : " وبكل حال فإلى فقه مالك المنتهى ؛ فعامَّة آرائه مُسَدَّدَة ، ولو لم يكن له إلا حسم مادّة الحيل ، ومراعاة المقاصد (5) لكفاه " (6) ، وهذه من حقائق السياسة الشرعية وكبرى ملامح فقهها .




وقال أبو العبَّاس ابن تيمية - بعد أن ذكر وجوب سياسة الناس سياسة شرعية يكون السيف فيها تابعاً للكتاب كما كان الأمر على عهد الخلفاء الراشدين ، وكان أهل المدينة بعد ذلك أرجح فيه من غيرهم - : " وهذه الأمور من اهتدى إليها ، وإلى أمثالها ؛ تبين له أن أصول أهل المدينة أصح من أصول أهل المشرق ، بما لا نسبة بينهما " (7) .
وقال : " خاصَّة الفقه في الدين … معرفة حكمة الشريعـة ومقاصدها ومحاسنها " (Cool .
وقال : " … العلم بصحيح القياس وفاسده من أجلِّ العلوم ، وإنَّما يعرف ذلك من كان خبيراً بأسرار الشرع ومقاصده ، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد ، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد ، وما فيها من الحكمة البالغة والرحمة السابغة ، والعدل التامّ " (9) .
وقال شهاب الدين القرافي : " تخريج الأحكام على القواعد الأصولية الكلية أولى من إضافتها إلى المناسبات الجزئية ، وهو دأب فحول العلماء ، دون ضَعَفَةِ الفقهاء" (10) . و جلّ فقه السياسة الشرعية من هذا الباب .


وهذا مما يدل على فضيلة علم السياسة الشرعية وعلو منزلته من الفقه في الدين والله تعالى أعلم .
وإلى الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى .

---------------------------
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين ، لابن القيم : 4/137 .
(2) المصدر السابق : 4/451-452 ؛ وينظر : تبصرة الحكام ، لابن فرحون : 2/137 .
(3) ينظر : الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه ، د. يوسف القرضاوي : 170 . وقد كشف الشيخ القرضاوي أن الفرية ليست من بنات أفكار فؤاد زكريا ، وهي ملاحظة تكشف قلّة أمانة القوم . وهكذا الشأن في كثير من طرحهم ما هم إلا نقل عن المستشرقين أو تلامذة المستشرقين ، وما أقبح التعالم بالغوية ، فكيف إذا كان مصدرها تقليد إمعة .
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 14/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://isslamy.rigala.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى