السياسة الشرعية والسياسات الوضعية

اذهب الى الأسفل

السياسة الشرعية والسياسات الوضعية

مُساهمة  Admin في الخميس فبراير 14, 2008 8:15 am

الموازنة بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية
( أصول ونماذج )
(3)

خلاصة ما مضى في الأمر الأول : أن السياسة الشرعية تقوم على مقصد العبودية لله تعالى المتمثل في الدعوة إليه وحكم الحياة بشريعته . بينما تقوم السياسات الوضعية على فصل الدين عن الدولة أو الفكر العلماني الذي يمثل مفترق الطريق بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية المعاصرة .

الأمر الثاني : أنَّ السياسة الشرعية جزء من الشريعة الربانية ؛ أما السياسات الوضعية فأنواع من الخطط البشرية .
السياسة الشرعية جزء من الشريعة الربانية (1) ؛ فهي متصفـة بما يليق بمشّرعها من كمال . أمَّا السياسات الوضعية ، فأنواع من الخطط البشرية ، فهي مهما بَهَرَت قاصرة .
فالفلسفات السياسية والقانونية التي تستقى من غير وحي الله تعالى ، لا قرار لها كما قال الله تعالى : { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } ؛ غير أنَّ من كتّاب المسلمين من خدع بسرابها ، ولو تأمّلها هؤلاء لوجدوها تخبطاً ظاهر التناقض ، ولو رجعوا إلى وحي الله تعالى ، لوجدوا الوصف الدقيق لهذا التخبط البشري مع بيان سببه : { بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج } ؛ فها هي النظريات تُستحسن فتقدس ثم ما تلبث أن يَتَبَدَّى انتكاسها ؛ فتُنْتَقص ، ثم تُنبذ شيئاً فشيئاً حتى يَحلّ غيرُها محلَّها ، وهكذا دواليك ، أمر مريج مختلط ؛ فها هي ( الديمقراطية ) – أنفس ما يظن الغرب ، أنَّه وصل إليه من السياسات الوضعية – تُعاب وتُنتقص من أربابها ؛ بل في دار نشأتها ، من ذلك إيجاز بعضهم العيوب التي لاحظها ( الديمقراطيون ) على ( الديمقراطية ) ، في : الصراعات الدائمة بين الأحزاب المنقسمة على بعضها ، والحكومـات التي لم يتجاوز متوسط بقائها في الحكم طيلـة نصف قرنٍ ثمانيةَ أشهر ، والمنافسات الحمقاء بين المواطنين ، وعدم وجود سياسة متجانسة لمدى طويل ، والبطء الشديد في تقدم مستوى حياة الجماهير : سياسة الإسكان ، وعدم كفاية التربية المدنية ، والاقتصادية ، والاجتماعية " (2) .


السياسة الشرعية جزء من الشريعة الربانية ؛ أما السياسات الوضعية فأنواع من الخطط البشرية


فالشريعة الربانية تظهر فيها قدرة الخالق ، وعظمته ، وعلمه المحيط بكل شئ ولطفه بخلقه ، وكماله المطلق ، وهذه الميزة العظيمة الشريفة انبثق عنها مجال في غاية الخصوبة والعطاء ، ويعرف اليوم بـ( خصائص الشريعة ) سَلَّمَ به الأوائل عملاً من أعمال القلوب يظهر على ألسنتهم ، ويتناثر في كتاباتهم ، وقد يفردونه بالتأليف تحت مسمى ( محاسن الدين ) (3) ، حتى جاء هذا العصر ، وهجمة أشراره الشرسة على شريعة الله ، مما حتّم على أهل الإسلام إفراده بالتصنيف ، على نحو كثيف ، خطّاً هجومياً دفاعياً ، يؤخِّر زحف الهجمة ويضعفها ، ويقنع الأغرار بالرجعة ويحصِّنها . ووصف هذا المجال ظاهر في نفيه عن سواها ؛ وما قد يُظنُّ مثله منها في القوانين الوضعية - على اختلاف أنواعها - لا يعدو أن يكون اتفاقا في المسمّى دون الدلالة والمعني ، وهو عند الباحث المنصف أسماء من التشبيه المتردي أمام علو الشريعة ، ما أنزل الله بها من سلطان .




وخصائص الشريعة مجال واسع ، ولكن يُشار إلى أهم تلك الخصائص - التي لعل ما عداها مندرج تحتها - ويُحَال إلى جملة من المراجع التى تحدَّثت عنها . ولعلَّ من المفيد تقسيمها - هنا - إلى مجموعتين :
الأولى : الخصائص المتعلقة بذات الشريعة ، ومنها :
أ - خاصية الكمال والشمول .
ويراد بها أنَّ الشريعة الإسلامية استكملت ما تحتاجه الشريعة الكاملة من أحكام عقدية وعملية ، فقهية ، وخلقية ، قواعد ومبادئ ونظريات ؛ فهي غنية بما يكفل حاجات الأمة ، في علاقة المخلوق بربه الذي خلقه ، وفي علاقة الفرد بنفسه ، وبغيره من فرد وجماعات أو دولة ؛ بل وبغيره من المخلوقات ، وذلك في الحاضر القريب والمستقبل البعيد ، فضلاً عن الماضي قريبه وبعيده (4) .
وهي شاملة ، لا تخلو حادثة واحدة عن حكم لها في الشريعة ، وذلك في جميع الأعصار ، والأقطار ، والأحوال ، فالمعاني التي تضمنتها نصوص الشريعة وأصولها تعم جميع الحوادث وتسعها (5) ؛ قال الله تعالى : قال الله تعالى : {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ، فكلمة {شيء} هنا ، نكرة في سياق الشرط تفيد العموم ، فيما يتصور التنازع فيه جنساً وقدراً (6) . وما لم يتنازع فيه فمحل إجماع ، والإجماع أحد أصول الشريعة ، فما صح إجماع مجتهدي الأمة عليه فهو منها ؛ فلا يخرج عنها حكم .


فها هي ( الديمقراطية ) – أنفس ما يظن الغرب ، أنَّه وصل إليه من السياسات الوضعية – تُعاب وتُنتقص من أربابها ؛ بل في دار نشأتها

ب- خاصية العموم .
والمراد بها أن الشريعة عامة لجميع البشر في كل مكان وزمان ، وهذا من القطعيات ، بل هو مؤكد في جميع مصادر الشريعة ، الكتاب والسنة والإجماع (7) ؛ وهذه الخاصية تستلزم – عقلاً - السمو ، والثبات والدوام ، وهما الخاصيتان التاليتان .
ج- خاصية السمو .
والمراد بها : أنَّ قواعد الشريعة ومبادئها ، أسمى من عصر الأمة ؛ من ماض وحاضر ومستقبل ؛ إذ فيها من المرونة الفقهية في أحكامها و كلياتها ، ما يحفظ لها هذا المستوى السامي ، مهما ارتقى وتعقَّد مستوى الأمة ؛ ومن ثم فلا تحتاج إلى تعديل أو تغيير تلاحق به ما يطرأ على المجتمع من تغيّرٍ ، في تطوّرٍ أو تحدُّر (Cool .
د- خاصية الثبات والدوام مع المرونة ؛ وهذه من آثار كمالها وسموها .
والمراد بهذه الخاصية المركبة من الثبات والمرونة : أنَّ الشريعة باقية لا يلحقها نسخ ولا تغيير ؛ لأنَّ النسخ يكون بقوة المنسوخ ، أو أقوى منه ، فلا ينسخ الشريعة - التي هي من الله تعالى - إلا تشريع آخر من الله تعالى ؛ وحيث قد ختم الله عز وجل بها الشرائع ، وختم بنبيها الأنبياء ، وانقطع الوحي بموته صلى الله ليه وسلم ، فلا يتصور أن ينسخها أو يغيرها شيء ؛ فنصوصها وقواعدها وكلياتها لا تقبل التعديل ، فضلاً عن التغيير والتبديل (9) .



قال العلامة أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله - في ذكره خواصّ الشريعة - : "والثانية : الثبوت من غير زوال ؛ فلذلك لا تجد منها بعد كمالها نسخاً ، ولا تخصيصاً لعمومها ، ولا تقييداً لإطلاقها ، ولا رفعاً لحكم من أحكامها ، لا بحسب عموم المكلفين ، ولا بحسب خصوص بعضهم ، ولا بحسب زمان دون زمان ، ولا حال دون حال ، بل ما أثبت سبباً فهو سبب أبداً لا يرتفع ، وما كان شرطاً ؛ فهو أبداً شرط ، وما كان واجباً فهو واجب أبداً ، أو مندوباً فمندوب ، وهكذا الأحكام ؛ فلا زوال لها ولا تبديل ، ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية ؛ لكانت أحكامها كذلك " . (10)
وحيث إنها من الحكيم العليم اقترنت صفة الثبات بصفة الدوام مما يستلزم المرونة الفقهية " داخل إطار ثابت ، حول محور ثابت " (11) .
ومن حيث الواقع التشريعي ؛ فقد جاءت أحكامها وقواعدها ، على نحو يجعلها صالحة لكل زمان ومكان ، وهو معنى خاصية ( السمو ) السابقة ؛ ويدلّ على هذه الحقيقة ويؤكِّدها واقع الشريعة ومصادرها ، وطبيعة مبادئها وكلياتها ، وأحكامها ومقاصدها وهذا من الأمور الجلية ، البديهية عند أهل الشريعة ، التي تقوم هذه الرسالة على حقيقة من حقائقها ، إلا أنه يحسن الإشارة - في غايـة الاقتضاب ، لمن شـاء سبر هذه المسلمة ، ولا سيما من غير أهـل الاختصاص - إلى ثلاثة مناهج موصلة ، قطعاً - لمن تجرد في بحثه طريقة وهدفاً - إلى تجلية هذا المعني ، والوصول في الإيمان به إلى حق اليقين ، وهي : الاستقراء لمدى ابتناء الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد ؛ و النظر في طبيعة أحكام الشريعة من حيث خصائص الأحكام المفّصلة ، والأحكـام التي جـاءت في شكل قواعـد وكليـات و مبادئ عامة ؛ والنظر في مصادر الأحكام ، وطرائق الاستنباط . (12) .


وهذه الميزة العظيمة الشريفة انبثق عنها مجال في غاية الخصوبة والعطاء ، ويعرف اليوم بـ( خصائص الشريعة ) سَلَّمَ به الأوائل عملاً من أعمال القلوب يظهر على ألسنتهم ، ويتناثر في كتاباتهم ، وقد يفردونه بالتأليف تحت مسمى ( محاسن الدين )

وهذه الخصائص لا وجود لها في السياسات الوضعية ؛ بل إنَّ انتفاءها منها يُعد من خصائصها ؛ " ولولا أنَّ الشريعة من عند الله لما توفرت فيها صفات الكمال والسمو والدوام ، تلك الصفات التي تتوفر دائماً فيما يشرعه الخالق ، ولا يتوفر شيء منها فيما يضعه المخلوق " (13) .
الثانية : الخصائص المتعلقة بالخضوع للشريعة ، والامتثال لها .

وسيأتي الحديث عنها في الحلقة التالية إن شاء الله تعالى .

--------------------------
(1)ينظر : إعلام الموقعين ، لابن القيم : 4/452 .
(2)الإنسان في المجتمع المعاصر ، بوسكيه و فاتييه :160، ترجمة / مصطفى كامل فودة ، ط-1969م ، القاهرة ، لاحظ تاريخ ترجمة الكتاب ، فكيف هي الآن ، وقد تكشفت عيوبها للعامة ، ودعمت بالسياسات الدولية الجائرة ، حتى استحى من ذلك عقلاء القوم ! .
(3)ينظر - مثلاً من المتقدمين - : محاسن الإسلام وشرائع الإسلام ، لمحمد بن عبد الرحمن البخاري ؛ ومن المتأخرين : حجة الله البالغة ، للدهلوي .



(4)ينظر مثلاً : التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ، عبد القادر عودة : 1/24، ط11-1412 ، مؤسسة الرسالة : بيروت ؛ والثبات والشمول في الشريعة الإسلامية ، د. عابد السفياني : 130 ، وهو من أجمع ما كتب في الموضوع وأدقِّه .
(5)ينظر : الرسالة ، للإمام الشافعي : 20 ؛ والأم له : 7/298 ، دار المعرفة : بيروت ؛ وجامع البيان عن تأويل آي القرآن ، للإمام الطبري:14/161 ؛ وأحكام القرآن ، للجصاص : 3/189-190 ؛ والجامع لأحكام القرآن ، لمحمد بن أحد القرطبي :6/270-271 ؛ والموافقات ، لأبي إسحاق الشاطبي : 1/108 ، 4/184 وما بعدها .
(6)تحكيم القوانين ، لمفتي الديار السعودية سابقا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ : 6 ؛ وينظر في بيان قاعدة " النكرة في سياق الشرط تعم " القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية ، لعلاء الدين ابن اللحام :278، ط1-1418، مكتبة إحياء التراث الإسلامي : مكة المكرمة .


(7)ينظر : الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي : 4/184 وما بعدها ؛ مراتب الإجماع ، لابن حزم :193؛ والإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان ، للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد :90 وما بعدها ، ط1-1417، دار العاصمة : الرياض .
(Coolينظر: التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ، لعبد القادر عودة :1/24 ؛ والمدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ، د. عبد الكريم زيدان :40 ؛ وعلم القانون والفقه الإسلامي ، د.سمير عالية :58.
(9)ينظر : المراجع السابقة ؛ الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية ، د. عابد السفياني :110 وما بعدها و589-592 ؛ والحكم والتحاكم في خطاب الوحي ، عبد العزيز مصطفى كامل :1/361 .
(10) الموافقات : 1/109-110 .
(11)خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ، سيد قطب إبراهيم : 75 ، ط-1415 ، دار الشروق : بيروت .
(12)ينظر : المدخل لدراسة الشريعة ، لعبد الكريم زيدان : 39-40 ؛ والثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر ، لصلاح الصاوي : الفصل الثاني ؛ والحكم والتحاكم في خطاب الوحي ، لعبد العزيز كامل :1/361 وما بعدها ؛ والمراجع السابقة ، ولا سيما : الموافقات للشاطبي ، والثبات والشمول في الشريعة الإسلامية ، للسفياني .
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 14/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://isslamy.rigala.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى